کلمة الاسبوع  
    چهار شنبه ۱۶ مهر ۱۳۸۷
الدين و الحرية

من جهة أن النفس و الروح مجردة فإنها منزهة في ذاتها من الجسم و المادة و جميع صفات الجسم، فليس لنفس الإنسان امتداد في الطول و العرض و العمق و الكيفيات و الحرارة و البرودة و الجهات كالنزول و الصعود و قبل و بعد و جميع أحوال الجسم الأخرى. و حيث أنها من عالم الأمر، فإن لها نظراً و توجهاً إلى موطنها. كما يقول الشاعر:
إن كل من يبتعد عن موطنه الأصلي
فإنه يرغب في العودة إليه يوماً ما
فالموجودات في عالم الوجود إما أن تكون مبثوثة في وعاء عالم المُلك و الجسم و المادة، و إما أن توجد في عالم الملكوت و التجرد و الأمر. ففوق عالم الأجسام الذي يشتمل على نظام التدرج عالم آخر يشتمل على موجودات غير تدرجية (غير زمانية) و هو عالم الأمر، و إن موجودات عالم الأمر محيطة بموجودات عالم الخلق (و إن له الأمر و الخلق) كما يعبر القرآن الكريم.
{أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} و بالنظر إلى أن النفس لها نوع تعلق بما هو جسم و بدن، فكأنها صارت أرضيةً، مكبلة و مقيدة بأوتاد أرضية
فالإنسان مع انه مجبور على المرور عن طريق الدنيا للوصول إلى كمالاته المتعالية، و لا بد له أن يتعلم في مدرسة التدرج و التوالي و القوة و الفعل و العبور و التحول و الزمان و المادة ليصل إلى الحقائق الثابتة المعنوية فيما وراء المادة و الزمن (الدنيا مزرعة الآخرة)، لکن التوجه إلى الدنيا و أمانيها الكاذبة بنظرة استقلالية منفصلة يمنع الإنسان عن سلوك طريق الارتقاء و الصعود فإنه لا يخطر في ذهنه التحليق في عالم الملكوت، و تخدعه بمظاهرها البراقة التي تزينها له إلى حدٍ يتصور معه أنه سيخلد فيها إلى الأبد. كما عبر الإمام علي(ع): (من أبصر بها بصّرته، و من أبصر إليها أعمته).
الحياة الدنيوية:
وصف الله سبحانه الحياة الدنيا في القرآن الكريم فقال: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} فاللعب هو الفعل الذي ليس له غاية و هدف إلا الخيال و الوهم و (اللهو) هو كل شيء يجعل الإنسان مشغولاً بنفسه فينسى الآخرين و لا يلتفت إليهم، و على هذا الأساس فإن في الآية إشارة إلى أن تعلق النفس بالبدن و جعْل البدن وسيلة و واسطة لتحصيل الكمال، جعل الإنسان مشغولاً بنفسه و قد نسي الآخرين من حوله، و منشأ هذا النسيان هو أن الحياة الدنيا تخدع الروح و تغرها إلى حد يجعلها تتخيل أنها متحدة بالبدن، و بعد هذا التوهم تنقطع عن عالم ما وراء الجسم، وتنسى كل ما كان لها من جلال و جمال و بهاء و نور و سرور في النشأة ما قبل المادة (عالم الأمر) و لا تتذكر مراتب القرب و ما كانت ترافق من أخلائها الأطهار و أجواء الأنس و القدس التي خلفتها وراءها و لذلك يُنفق الإنسان عمره باللهو و اللعب و يتعامل مع كل ما يواجهه في هذه الحياة من خلال الأماني الكاذبة و الخيال الخادع، و عندما يصل إلى ما يتمنى لم يجد فيه شيئاً من الواقع و الواقعية.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
أصالة الظاهر و الباطن:
إن الإنسان الذي يتعامل مع الخلق و المُلك في هذا العالم و الموجودات الجسمانية المحسوسة على أنها أمور أصيلة و واقعية، فإن كل اهتمامه و شغله ينصب على الأمور المادية المحسوسة.مما يجعله في غفلة دائمة عن باطن الأمور و ما فيها من مظاهر الملكوت. و مثل هذا الإنسان لا يعلم أي معنى للحياة وراء الأكل و الشرب و النوم و اللذائذ و اللعب و اللهو، كما يقول القرآن: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.
أما الإنسان صاحب النظرة الملكوتية و التي يتوجه من خلالها إلى حقائق الأمور و بواطنها، فإنه ينظر إلى الظاهر على أنه انعكاس و تجلٍ للباطن، و إن الظاهر فرع الملكوت و متطفل عليه. فهو يرى الظاهر كالقشرة الخارجية و الباطن هو مخ الأشياء و أساسها، و لذلك فلا يضحي بالأصل و المحتوى من أجل الفرع و القشور، و بتعبير علي (عليه السلام): "إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى ظاهرها، و اشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها".
الأماني الحقيقية و المجازية (الكاذبة):
يظن طلاب الدنيا بأن الوصول إلى التمنيات و الرغبات الدنيوية و تخطي الحدود و القيود في الاستفادة من زخرف الدنيا و زبرجها هو تحرر من الأغلال و القيود. في حين أن الواقع خلاف ذلك، فإن الاستماع إلى أوامر و إملاءات النفس الأمارة هي التي توقع الإنسان في أسر الأغلال و القيود، و النفس الأمارة هي مساحة في النفس الإنسانية تعتني بالجوانب الجسمية المتدنية بشكل أكبر، و من خلال تعلقها بالجسم تجعله مقيداً و أسيراً لأمور لا قيمة لها، فيكون طالباً للبقاء و الخلود في هذه الدنيا، و هذا ما يجعل الإنسان أسيراً لرغبات البدن و يزيد من الآصار و الأغلال التي تقيد حقيقة الإنسان و محتواه.
و الحرية في الواقع هي في الخروج من قبضة الدنيا و سلطان الهوى و الأماني الخادعة و هذا النوع من التحرر هو ما يريده الدين و يسعى لتحقيقه.
فكم من ملك يبسط هيمنته على مملكة مترامية الأطراف و لكنه في نظر الدين أسير و عبد لهواه و شهواته، و كم من فقير هو في منتهى الفقر و الحاجة و لكنه ملك و سلطان على مملكة نفسه و قابض على أزمة هواه و شهواته. و حينما تكون قوى الغضب و الشهوة عند الإنسان خاضعة للقوة العاقلة و تحت سيطرتها فإنها لا تكف عن الإفساد و التخريب فقط، و إنما تتحول إلى عوامل تساعد الإنسان على السير في طريق رشده و تكامله، و في ذلك تظهر فائدتها و نفعها بالنسبة للإنسان.
و الحرية الحقيقية تكمن في سيطرة العقل و تحكمه في عالم النفس و تلقّي قوى الغضب و الشهوة أوامرها منه و انصياعها لكل ما يصدر عنه.
فالدين يرى أن العبودية في تحكم الشهوة و الغضب في وجود الإنسان و وقوع العقل في أسر هذه القوى و قبضتها، كما في قول الإمام علي (عليه السلام): "و كم من عقل أسير تحت هوى أمير" و كذلك قوله سلام الله عليه: "ألا حر يدع هذه اللماظة لأهلها؟ إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها".
الحرية المعنوية و الاجتماعية:
عندما يتحرر الإنسان في داخله من قبضة الميول و الأهواء و يعتقد بأصالة روحه و نفسه، فإنه سوف يكون سعيداً في ميدان الحياة الاجتماعية و السياسية و الثقافية. و كما ورد في الآيات و الروايات فإن الإنسان يواجه عدوين أحدهما داخلي و الآخر خارجي، يحاولان أسره و الاستحواذ عليه، و أن التغلب على هذين العدوين و التحرر منهما يتحف الإنسان و يهدي إليه نوعين من الحرية: الداخلية و الخارجية.
و مما يُؤسَف له وجود فئات و مجموعات على امتداد الفكر الإسلامي – كالصوفية مثلاً – فإنها بالقدر الذي بالغت فيه في ميدان الحرية الداخلية و الانعتاق من قبضة الرذائل الأخلاقية و الأهواء الشيطانية، نجدها لا تعير أهمية للتحرر الخارجي من آلهة الزور و التزوير و التسلط و عباد الدينار و الدرهم. و في مقابل هذا اللون من التوجه توجد فئة بذلت قصارى جهدها في ميدان الصراع الخارجي لنيل التحرر الاجتماعي و السياسي، منطلقين من الاعتقاد بأن أي نوع من أنواع وضع الحدود و الضوابط على الإنسان إنما هو بمنزلة الأسر للإنسان و سبب لتعاسته و خسرانه.
و لكن توجد فئة ثالثة تعتقد أن الإنسان يحتاج إلى النوعين المذكورين من الحرية حتى يتمكن من الوصول إلى كماله و سعادته و حريته الحقيقية. لأن الارتباط بين النوعين ارتباط قوي و وثيق و لا يقبل الانفكاك. فلا يمكن أن توجد الحرية الاجتماعية - عملياً - دون حرية معنوية داخلية، و هذه القضية تعد اليوم من معضلات المجتمع البشري الذي يسعى لإيجاد الحرية الاجتماعية من دون السعي للحصول على الحرية المعنوية. فإذا أراد الإنسان اليوم أن يبني مجتمعاً منسجماً و إنسانياً و خالياً من الطغيان و المشاكل الاجتماعية و الفردية، فلا بد له من اجتناب الإفراط و التفريط و ترك النظر إلى مسألة الحرية من جانب واحد، و يأخذ بنظر الاعتبار نوعي الحرية و يسعى لتحقيقهما.
و على هذا الأساس فالفكر الديني و الإسلامي لا يجيز الحرية إلى حد الإفراط و الإشباع الطليق، كما لا يجيز أن يكون الإنسان مجبوراً في قبول الظروف المحيطة به من الخارج فيقبل كل حكومة غير عادلة تسلبه كرامته و عزته.
إذن توجد في الإسلام حرية اجتماعية و فردية، و لكن الرؤية الإسلامية تختلف عن الرؤية الغربية في هذه المسألة.
العلاقة بين الدين و الدنيا:
إن مجيء الأنبياء العظام من أجل إحياء الدنيا و عمارتها، و لكنهم نظروا إلى الدنيا بعين الآخرة، الدنيا التي تكون مزرعة للآخرة، الدنيا التي نضمن من خلالها الآخرة بواسطة أعمالنا و أقوالنا و كل لحظة من لحظات حياتنا، فهؤلاء الأنبياء يعمرون مثل هذه الدنيا، و إنهم جاؤوا ليعلموا الناس كيفية الحياة في الدنيا لينالوا بها السعادة في الآخرة. فتعاليم الأنبياء تهتم بحياتنا الحاضرة إذن، أي حياتنا في هذه الدنيا لننال بها الحياة السعيدة في الآخرة.
الدين و التوسعة:
للدين رأي بخصوص التوسعة و على عدة مستويات كالاقتصاد و السياسة و الاجتماع و الثقافة، و لم يترك ذلك إلى علماء الاجتماع، فالدين الذي يدعي الشمولية العالمية، و ينظر إلى جميع أفراد البشر على أنهم تلاميذ في مدرسته فلا بد أن تكون له رؤيا و نظرية شاملة فيما يتعلق بالتنمية والتوسعة.
و من هنا فمعرفة الدين هي أساس القضية، و إن كانت أمراً معقداً و عسيراً. لأن الدين يرتكز على ثلاث قواعد أساسية، إحدى هذه القواعد تنطوي عليها النفس الإنسانية، و القاعدتان الأخريان في خارج النفس. فالقاعدتان الخارجيتان هما ما نسميه (القرآن و العترة)، و القاعدة التي في داخل النفس هي عبارة عن العقل و الفطرة، و التي تعتبر من الأدلة الشرعية. أي إن ما يقطع به العقل هو حجة شرعية، و لهذا فالدين يتكون من مجموع النقل و العقل.
تصحيح التوسعة من زاوية الاعتقاد و الأخلاق و الثقافة:
بما أن الله سبحانه هو أساس كل عمل، و هو الخالق و المنزل لكل شيء، و أن نفع الإنسان و ضرره هو بيد الله الذي خلق هذا العالم، و أن مصير الإنسان مرجعه لا بد و أن يكون إلى الله تعالى، و على هذا الأساس فمن الواجب أن تكون كل أعمال الإنسان و تحركاته على مستوى الاقتصاد و الثقافة و التعليم و... منبثقة عن أمر الله و منسجمة مع الطريق الذي يريده و يرضاه. فقد دعا الدين المجتمع الإنساني إلى بسط العدل و القسط على مستوى الأخلاق و الثقافة و غيرها، و نهاه عن التعدي و التجاوز على حقوق الآخرين، و من جهة أخرى حثه على طلب العلم و على تعلمه، كما وصى باستثمار نتائج العلم بشكل صحيح و مثمر، و ذلك إلى حدٍ انه لا يوجد أمر أخلاقي أو علم ضروري أو فائدة و منفعة إلا و شملها الدين بتعاليمه، و جعل العمل بها إما واجباً أو مستحباً.
الحرية و التوسعة الاجتماعية و السياسية:
الدين الإسلامي دين عالمي و مثل هذا الدين يقول: يمكنكم التعايش السلمي مع كل من ليس له معارضة و محاربة للدين، يقول تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}.
أقسام التوسعة:
التوسعة على قسمين: قسم مذموم و قسم ممدوح، فالمذموم ما كان من قبيل الإسراف و الترف و الرفاهية و أمثالها، فالقرآن يذم جميع هذه المظاهر، و قد صرح في بعض آياته بمذمة المسرفين و المترفين و المرفهين و ملامتهم و تأنيبهم، و قد وصف الذين لا يفكرون إلا برفاههم الشخصي و توسيع مصالحهم فقط بأنهم لا يهتمون إلا بأنفسهم، {وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَ يَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَ النَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} و كذلك ذم القرآن الذين يكنزون الذهب و الفضة و توعدهم بالعذاب.
و إن البخل الشديد و الشح قد يعشعش في داخل الإنسان فكأنه عدو من أفراد بيته.
{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} و على هذا الأساس فإن التوسعة بمعنى طلب الرفاه و الإسراف في شؤون الحياة مذمومة و مكروهة.
أما التوسعة الممدوحة، فمعناها أننا كلما كنا أكثر سعياً على مستوى الإنتاج، فمعنى ذلك أننا أكثر توفيقاً، و كلما كنا أكثر قناعة في نفقاتنا نكون أكثر ارتياحاً في حياتنا. و من هنا إذا كان الإنسان يسعى في سبيل رفع احتياجه الشخصي و حاجات مجتمعه، فمثل هذا السعي مطلوب و ممدوح، و أما التوسعة المذمومة فهي التي تكون بدوافع جمع الثروة و تكديسها والتفاخر بها و إن هذا النوع من التكاثر مذموم.